هل انتهت حرب غزة فعلاً؟!

منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ ما يقارب العقود الثمانية، انتهجت إسرائيل طريق الحرب كعلاقة تجمعها بالعرب بشكل عام وبالفلسطينيين على وجه الخصوص، فمنذ بداية الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية لم تتوقف إسرائيل يوماً عن استفزاز الشعب الفلسطيني سواء من خلال سعيها المستمر للانقضاض على الأراضي العربية الواحدة تلو الأخرى، أو من خلال انتهازها لكل الفرص الممكنة وغير الممكنة لهدر دمائهم أو قصفهم أو تشريدهم وهدم بيوتهم أو اعتقالهم وسجنهم وإبعادهم عن وطنهم وذويهم.
خلال العديد من الحروب التي خاضها العرب ضد إسرائيل سعياً منهم لإعادة أراضيهم المنهوبة أو لإيقاف عدوانها الدموي، كانت إسرائيل تجد نشوة لا يمكن إنكارها في قتل وسفح الدماء العربية «بل وغير العربية في بعض الأحيان»، فحتى الأسرى ممن رفعوا رايات الاستسلام البيضاء كانت إسرائيل تجد متعة في قتلهم، ضاربة عرض الحائط بكافة المواثيق والعهود الدولية التي تحمى حقوق أسرى الحروب، فإسرائيل كانت ولا تزال مطلقة اليد بشكل تام لا تجد من يقيّم أفعالها، فهي مستثناة من كافة القوانين الدولية ومعفاة من جميع التقاليد والأعراف السياسية، فهي طفل الولايات المتحدة المدلل، ومن يجرؤ على انتقاده يقع تحت طائلة يد الولايات المتحدة الطولى ويتم نبذه من المجتمع الدولي.
من الواضح أن مقولة من أمن العقاب أساء الأدب تعد قاعدة تصلح للتطبيق أيضاً في عالم السياسة، فمن أمن عقوبات المجتمع الدولي وضمن دعم الولايات المتحدة والمجتمع الغربي، أساء الأدب ونهب الأراضي وقتل الأبرياء وطردهم من أراضيهم التاريخية، فعلى مدار تاريخ الوجود الإسرائيلي كانت أقصى عقوبة تم توجيهها لإسرائيل هي الإدانة، والإدانات جميعها كانت تجد دوماً طريقها لأقرب سلة مهملات لأي رئيس وزراء إسرائيلي، فالسياسية الإسرائيلية الدموية المعادية للعرب واحدة، والاستخفاف والاستهزاء بالمجتمع الدولي وقراراته سياسة رسمية معتمدة بين كافة رؤساء وزعماء إسرائيل.
من المؤسف أنه لا توجد جهة واحدة في العالم قادرة على إيقاف الممارسات الإسرائيلية الهمجية بما فيها المنظمات الدولية، والتي تتعرض هي نفسها للعقوبات الأمريكية حال انتقادها لإسرائيل، بل إن البعض من مسؤوليها كثيراً ما يقتلون في ظروف غامضة أو تتم محاصرتهم ومعاقبتهم بطرق وأساليب شتى، ولعل العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي ترمب على المحكمة الجنائية الدولية مؤخراً بسبب قراراتها بشأن إسرائيل لهو نموذج بسيط للدعم الذي يُطلق يد زعماء إسرائيل للعبث كيفما ووقتما رغبوا.
من الواضح تماماً أن القرارات الاستعلائية التي تتخذها الولايات المتحدة تغوي إسرائيل على المزيد من خوض المعارك والنزاعات مع الدول العربية، فبين كل فينة وأخرى يندلع صراع مسلح بين إسرائيل وبين الفلسطينيين في غزة أو جنين أو رام الله، أو على الحدود مع لبنان أو سوريا، وتعود إسرائيل للدموية لتخوض عميقاً في الدماء العربية بلا اكتراث، ثم يتوقف الصراع قليلاً قبل أن يبدأ مرة أخرى، وخلال هذه الفترة الوجيزة من عمر الزمن تتصدر الفرحة عناوين الأخبار العربية بأن الحرب انتهت، وأنه قد آن الأوان للعرب أن يسعدوا بنشوة الفرحة والانتصار.
غير أنه سريعاً ما تعود إسرائيل لاستفزازاتها المتكررة وتبدأ مرة أخرى سلسلة التحرشات بالمقدسات الإسلامية والعربية والسعى المستمر للانقضاض على المزيد من الأراضي العربية، ويعود المستوطنون لسابق عهدهم محاولين قنص العرب والتعدي عليهم وعلى أراضيهم، ويعود الجيش الإسرائيلي ليدعم المستوطنين في تعديهم على الفلسطينيين بقسوة ودموية، فتنطلق شرارة الصراع مرة أخرى لتعيد ما تم بناؤه ركاماً كما كان، ويعود الفلسطينيون ليعيشوا داخل الخيام الممزقة التي لا تحميهم حر الصيف ولا تمنع عنهم صقيع الشتاء القارس.
قبل أيام صرحت إسرائيل أنها ستبقى على احتلالها لبعض الأراضي في الجنوب السوري إلى أجل غير مسمى، وهي تهدد وتتوعد الحكومة السورية الجديدة بالويل والثبور إن قاومت هذا الاحتلال، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن إلى متى سيستمر هذا الاستفزاز؟ ولعل الإجابة على هذا السؤال تحيلنا إلى الإستراتيجية التي أسّسها في سبعينات القرن الماضي عراب العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية هنري كيسنجر، والذي كان يعتقد أن سلام العرب مع إسرائيل يعني فقد الولايات المتحدة لنفوذها في منطقة الشرق الأوسط، فلمن ستبيع صادرات أسلحتها إن عم السلام المنطقة؟ وكيف سيمكنها إجبار العرب على السير في فلكها إن ساد الهدوء بين الجميع، فالولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يلجأ لها العرب لتمنع إسرائيل من عدوانها الدموي، فهل علينا أن نفرح بالفعل إن توقفت الحرب في غزة أم أن هناك فصولاً أخرى من المأساة قد يحملها لنا المستقبل؟
https://www.okaz.com.sa/